• ×

ورحل الإنسان محمد بن مقبول

مقال لـ أ. د. سعد بن هاشم العلياني

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 ورحل الإنسان محمد بن مقبول

بقلوب مفعمة بالحزن والأسى ومرارة الفقد، ننعى الفاضل المحبوب محمد بن مقبول العلياني، فالموت حق علينا جميعا، وما من إنسان سيعيش أبد الدهر، فكل نفس ذائقة الموت. وهذه سنَّة الله في خلقه.
آه ما أحقر الدنيا وزخرفها وقصر مقامها وإن طال.. يد المنون تخطف الصغير والكبير، ولا تدوم على حال عندما يأتي موعد هادم اللذات.
هُوَ المَوتُ ما منهُ ملاذٌ وَمهربُ
متى حُطَّ ذا عن نَعشهِ ذاكَ يَركبُ
إن الموت مكتوب على كل الخلق ولا ينجو منه أحد ولا ينفع معه حذر، فكأن الله تعالى يقول لصاحب المصيبة لا تجزع من موت من تحب فلست الوحيد، فالكل سيشرب من كأس الموت، وكما قالت الخنساء:
فلولا كثرة الباكين حولي
على إخوانهم لقتلت نفسي
والحقيقة أن الموت هو موت القلب عندما يخلو من ذكر الله ومعرفته والإيمان به، وهو أشد إيلاما من مفارقة الروح للجسد؛ لأن الألم المترتب على خلو القلب من الإيمان ألم دائم وحسرة أبدية، بينما ألم مفارقة الروح للجسد ألم آني يزول بخروج الروح، بينما الحياة هي حياة القلب مع الله بتوحيده ومعرفته وحبه.
والمؤمن ينظر للموت على أنه بوابة الخروج من سجن الدنيا إلى ما ينتظره من نعيم عند الله، فبالموت ينتهي التكليف، وتنتهي معه مكابدة المؤمن للمشاق والمصاعب والمتاعب، ويبدأ بقطف ثمار ما قدم في حياته، فمن مات وكان مستعدا للقاء الله فقد انتقل من دار التكليف والهم والحزن إلى دار الجزاء والسرور، فلا يُحزن عليه لأنه انتقل لجني ثمار أعماله في دار السرور عند رب غفور شكور.
محمد بن مقبول الرجل الذي أود أن أسطر بعض كلمات الوفاء والعرفان بحقه ولا أظنها ستفي أبدًا، فخصال ومحاسن ومزايا فقيدنا الراحل يصعب حصرها، ولن تفي كلماتي مهما قمت بصياغتها حق هذا الرجل الوقور الذي اكتسب محبة الناس من صدق أفعاله وطيب معشره، فلا يمكن أن ننسى تلك اللحظات المشرقة التي كان رحمه الله يشرفنا فيها في مجالسنا، فكانت له إشراقة فريدة حيث ابتسامته التي لا تفارق ثغره وتسبق خطاه، وكان تواضعه الجم في الجلوس والتحدث والمناقشة تضيف بعدا اجتماعيا في غاية المحبة والتآلف والسعادة.
كان رحمه الله بمثابة الأب للجميع فعندما يدخل مجالسنا يتسارع الجميع للسلام عليه وتقبيل رأسه احتراما وتقديرا لشخصه الكريم الذي عكس محبة الجميع له لما يتمتع به من خلق جم وبشاشة لا تفارق محياه.
لقد رحل عن دنيانا الشيخ الوقور والرجل الطيب المعطاء، صاحب القلب الكبير والنفس الكريمة، أحب الناس فبادلوه حبا بحب، وكان مجلسه وصدره مفتوحا للجميع يرحب بالصغير قبل الكبير.
كان طيباً بالفطرة، كان راقياً وكان قلبه مفتوحاً لجميع الناس، وقد كان مدرسة بحق ولا نزكي على الله أحداً، فالناس شهداء الله في الأرض، وإذا أحب الله عبداً من عباده حبب الناس فيه، وأحسب أن الراحل هو منهم بإذن الله .. وسيبقى رمزاً في مجتمعنا بأعماله وكلماته.
أقول: إننا فقدنا عزيزاً عطوفاً شفوقاً باراً لا يعوض، وفقدنا إنساناً قلّ أن يجود الزمان بمثله، إنه رمز للوفاء والشهامة والإحسان ومحاسن الأخلاق وحبيب قريب من الناس، متواضع وفيّ صدوق حنون كريم، صاحب شخصية نافذة وعقل راجح، ومكانة كبيرة.
أخاً وأباً للكبير وللصغير، صديقاً للجميع، طيب المعشر ليّن الجانب كيّس فطن.
لا يُمل مجلسه وحديثه، محل ثقة وتقدير من الجميع، كان ينصح بنصح المحب ومحبة الناصح.
عرف دائماً حكيماً صدوقا لم تغيّره الأيام والليالي ولم تنل منه السنين، بل هو في الواقع من زينها بعطائه وحكمته.
تطرب لجمال حديثه الدافئ، ويدهشك سمته، وصمته عندما ينصت لحديث الآخر.
عطوفُ رحيمُ.. فبمثله ‏تَتَجلى خَيرية الفضلاء في سابلة مَسِيرهم وثنايا عطاياهم، وأفذاذ المجتمع يُفْتَقدون وَهُم الْسُرج المُضيئة، رحل الشيخ الخلوق/ محمد بن مقبول صامتاً عَن كل مَنقبة جللها ... وهو في صدر مجالسنا تؤوب الحكمة ويرزأ الرُشد، وينثال أريج العقل المُكتنز أدباً.
رحمك الله أبا علي وأسكنك فسيج جَناته .. مَكَثت من عمرك تسعىٰ في حاجه الناس .. وَتَسدَ الخلاف ما أمكن .. وسَنَداً مَنيعاً عن حِيَاض المظلوم .. مثلك في المُلمات يُفتَقد ... وأنت وميزانك وفطنتك في مجاذبة الأباعد وَالأقارب مِن حَوُلك.
رفيع الأدب مع الخالق والخلق، من أشد الناس تواضعا، وأحسنهم بِشرا، يوقر الكبار، ويتواضع للصغار، كريم النفس، ينفق بسخاء، رقيق القلب مليءٌ بالرحمة، كامل العقل، سامي الأخلاق، حليم لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، لين الجانب، جميل العشرة، يصل ذوي رحمه ولا يجفو على أحد، عفيف اللسان، جمع من الأخلاق أطيبها ومن الآداب أزكاها، يحسن معاملة الناس جميعا .. قل أن يجود الزمان بمثله، ولذلك رفع الله ذكره وأعلى شأنه.
كان جابرا لخواطر كل من يتعامل معه وكأنه يذكرني بقول الشاعر:
‏جَبرُ الخواطر ذاك دأب أولي النُّهى
‏وترىٰ الجهولَ بكسرها.. يتمتَّعُ
فاجعلْ كلامكَ بلسمًا فيه الشِفا
‏لا مِشرطاً يُدمي القلوب ويُوجِعُ
رحلت وتركت فراغا كبيرا ليس فينا فقط، وإنما في كل من عاشرك وجالسك واستمع إليك.
الكلام يطول عن الفقيد .. ولا نملك إلا الدعاء له بالمغفرة والرحمة .. فنقول رحمك الله يا أبا علي وأسكنك فسيح جنانه وألهمنا الصبر والسلوان، وأسأل الله عز وجل أن يجعلك في زمرة الصالحين والاتقياء ممن سيتبوؤون مقاعدهم في الجنان.
نعزي فيك أنفسنا ومن فقده ممن أحبوه وأحبهم وأخص بالعزاء إخوته الأفاضل، وأبنائه الصالحين الذين كانوا طوع أمر أبيهم، ومحط نظره، ومعقد رجائه، سائلًا الله أن يلهمنا جميعاً الصبر والسلوان.
جعل الله مثواه أعالي الجنان وجبر مصابنا وعظم أجرنا وجعل العوض صلاحا في أمور ديننا ودنيانا .. إنا لله وإنا إليه راجعون.
وأنت وإن فارقتنا فقد أفضيت إلى من هو أرحم بك منا ... ولكن ليتنا نحن نعتبر .. وليتنا نتذكر قوله تعالى (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) ... هذه هي الدنيا وصخبها، ونحن وهي من متاع الغرور .. ربنا هَيِئ لنا من امرنا رَشَدا .
‏اللهم جَلّل صحائف اعمالنا في يَوْمها بعفوك ورضاك.
رب ارحم عبدك محمد واغفر له وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة .. وإلى دار الخلود مُستأنساً رحمة ربك بإذنه.
اللهم أبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة بغير حساب، برحمتك يا أرحم الراحمين.


كتبه
أ. د. سعد بن هاشم العلياني
بواسطة : admin
 0  0  1.9K
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:43 صباحًا الإثنين 28 نوفمبر 2022.